مصطفى لبيب عبد الغني

194

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

على اختلاف صوره . ومذهب القدماء الخمسة ، متي سلمنا بصحة نسبته إلى الرازي لا بد وأن نلتمس له تفسيرا يخرج بهذه القدماء عن اعتبارها عللا فاعلة أو آلهة فاعلة تهب الموجودات وجودها . والثانية : إن الرازي لا يشعر بضرورة التدليل على وجوب الخلق أصلا ، طالما أن الوجود الإلهي الخصب متحرر بطبيعة ، من كل قيد ، وإن البحث عن سبب كاف لفعل الخالق ليس إلا تناقضا مؤداه افتراض علة للخلق تكون هي نفسها جزءا منه ؛ « وإليه يرجع الأمر كله » « 1 » . والثالثة : « إن القول بقدم الجواهر الخمسة لا يعنى بالضرورة قدما زمانيا بالمعنى المألوف الذي يدركه الذوق الشائع من تصور الزمان لكن القدم هنا قد يعنى بالأحرى « الضرورة » والاستقلال عن الأشياء الحادثة ، وقد يعنى أن طبيعة العلاقة بين القدماء الخمسة وبين الموجودات علاقة منطقية ليس إلّا . والرابعة : إن الأولى اعتبار « القدماء » هنا بمثابة فروض لازمة لتصور عملية الخلق ولتحققها ، وبمثابة « كليات » وشروط مفسّرة يرتفع وجود الأشياء بارتفاعها . وبوسعنا أن نفهم الزمان والمكان عند الرازي - بما هما « إطاران » يستطيع العقل عن طريقهما فهم وجود الموجودات . ولنا في أقوال الرازي ذاتها عون على هذا التفسير « 2 » : فالزمان الموجود القديم ليس هو زماننا المعهود نعّد به الحركات ، والمكان ليس هو المكان المضاف أو السطح الحاوي للجسم المحوى علي المعنى الأرسطى « 3 » ، والهيولى الأولى ليست هي المادة الخام التي نلاحظها ، هذا إلى أن تصور المخلوق متضايف مع تصور البارئ ضرورة ، أما عن افتراض النفس أو « مقولة » الحياة فإنها لزمت عن وجود الحي .

--> ( 1 ) قرآن كريم ، هود آية 123 . ( 2 ) المناظرات بين الرازيين ، ص 304 - 306 . ( 3 ) ناصر خسرو : « زاد المسافرين » ص 73 - 118 . - البيروني : « تحقيق للهند من مقولة » ص 166 . - بينيس : « مذهب الذرة عند المسلمين » ص 40 ، ص 47 - 56 .